فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كانوا ينكرون أن يحس الميت شيئًا بعد الموت أو يفهم كلامًا، وكان التقدير كما دل عليه السياق: فتتوفاهم الملائكة، لا يقدر أحد على منعهم، فيقول لهم: قد رأيتم ملائكتنا الذين أخبرناكم أول السورة أنهم إذا أبصروا كان القضاء الفصل والأمر البت الحتم الذي ليس فيه مهل، عطف عليه قوله مشيرًا إلى ما كان سبب استكبارهم من الاجتماع على الضلال والتقوى بالأموال: {ولقد جئتمونا} أي لما لنا من العظمة بالموت الذي هو دال على شمول علمنا وتمام قدرتنا قطعًا، ودل على تمام العظمة وأن المراد مجيئهم بالموت قوله: {فرادى} أي متفرقين، ليس أحد منكم مع أحد، ومنفردين على كل شيء صدكم عن اتباع رسلنا {كما خلقناكم} أي بتلك العَظمة التي أمتناكم بها بعينها {أول مرة} في الانفراد والضعف والفقر، فأين جمعكم الذي كنتم به تستكبرون! {وتركتم ما خولناكم} أي ملكناكم من المال ومكناكم من إصلاحه نعمة عليكم لتتوصلوا به إلى رضانا، فظننتم أنه لكم بالأصالة، وأعرضتم عنا وبدلتم ما دل عليه من عظمتنا بضد ذلك من الاستهانة بأوامرنا {وراء ظهوركم} فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكبرون.
ولما كانوا يعدون الأصنام آلهة، ويرجون شفاعتها، إما استهزاء، وإما في الدنيا، وإما في الآخرة- على تقدير التسليم لصحة البعث، قال تهكمًا بهم واستهزاء بشأنهم: {وما نرى معكم شفعاءكم} أي التي كنتم تقولون فيها ما تقولون {الذين زعمتم} أي كذبًا وجراءة وفجورًا {أنهم فيكم شركاء} أي أن لهم فيكم نصيبًا مع الله حتى كنتم تعبدونهم في وقت الرخاء وتدعونه في وقت الشدة، أروناهم لعلهم سترهم عنا ساتر أو حجبنا عنهم حاجب؛ ثم دل على بهتهم في جواب هذا الكلام الهائل المرعب حيرة وعجزًا ودهشًا وذلًا بقوله: {لقد تقطع} أي تقطعًا كثيرًا.
ولما كان ذكر البين في شيء يدل على قربه في الجملة وحضوره ولو في الذهن، لأنه يقال: بيني وبين كذا كذا، وكان فلان بيننا، ونحو ذلك مما يدل على الحضور؛ قال منبهًا على زوال ذلك حتى بالمرور بالبال والخطور في الذهن لشدة الاشتغال {بينكم} فأسند القطع المبالغ فيه إلى البين، وإذا انقطع البين تقطّع ما كان فيه من الأسباب التي كانت تسبب الاتصال، فلم يبق لأحد منهم اتصال بالآخر، لأن ما بينهما صار كالخندق بانقطاع نفس البين، فلا يتأتى معه الوصول، هذا على قراءة الجماعة بالرفع، وهذا المثال معنى قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على الظرفية؛ ولما رجع المعنى إلى تقطع الوصل، بين سبب ذلك، وهو زوال المستند الذي كانوا يستندون إليه فقال: {وضل عنكم} أي ذهب وبطل {ما كنتم تزعمون} أي من تلك الأباطيل كلها. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

اعلم أن قوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى}.
يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون هذا معطوفًا على قول الملائكة {أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ} فبين تعالى أنهم كما يقولون ذلك على وجه التوبيخ، كذلك يقولون حكاية عن الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى} فيكون الكلام أجمع حكاية عنهم وأنهم يوردون ذلك على هؤلاء الكفار، وعلى هذا التقدير، فيحتمل أن يكون قائل هذا القول الملائكة الموكلين بقبض أرواحهم، ويحتمل أن يكون القائل هم الملائكة الموكلون بعقابهم.
والقول الثاني: أن قائل هذا القول هو الله تعالى ومنشأ هذا الاختلاف إن الله تعالى هل يتكلم مع الكفار أو لا؟ فقوله تعالى في صفة الكفار: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ} يوجب أن لا يتكلم معهم وقوله: {فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] وقوله: {فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين} [الأعراف: 6] يقتضي أن أن يكون تعالى يتكلم معهم، فلهذا السبب وقع هذا الاختلاف، والقول الأول أقوى، لأن هذه الآية معطوفة على ما قبلها، والعطف يوجب التشريك.
و{فرادى} لفظ جمع وفي واحده قولان.
قال ابن قتيبة: فرادى جمع فردان، مثل سكارى وسكران، وكسالى وكسلان.
وقال غيره فرادى: جمع فريد، مثل ردافى ورديف.
وقال الفراء: فرادى جمع واحده فرد وفردة وفريد وفردان.
إذا عرفت هذا فقوله: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى} المراد منه التقريع والتوبيخ، وذلك لأنهم صرفوا جدهم وجهدهم في الدنيا إلى تحصيل أمرين: أحدهما: تحصيل المال والجاه.
والثاني: أنهم عبدوا الأصنام لاعتقادهم أنها تكون شفعاء لهم عند الله، ثم إنهم لما وردوا محفل القيامة لم يبق معهم شيء من تلك الأموال ولم يجدوا من تلك الأصنام شفاعة لهم عند الله تعالى فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا وعولوا عليه، بخلاف أهل الإيمان فإنهم صرفوا عمرهم إلى تحصيل المعارف الحقة والأعمال الصالحة، وتلك المعارف والأعمال الصالحة بقيت معهم في قبورهم وحضرت معهم في مشهد القيامة، فهم في الحقيقة ما حضروا فرادى، بل حضروا مع الزاد ليوم المعاد. اهـ. بتصرف يسير.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى}.
سبب نزولها: أن النضر بن الحارث قال: سوف تشفع لي اللاَّت والعزى، فنزلت هذه الآية، قاله عكرمة.
ومعنى فرادى: وُحدانًا.
وهذا إخبار من الله تعالى بما يوبِّخ به المشركين يوم القيامة.
قال أبو عبيدة: فرادى: أي فرد فرد.
وقال ابن قتيبة: فرادى: جمع فرد.
وللمفسرين في معنى {فرادى} خمسة اقوال متقاربة المعنى.
أحدها: فرادى من الأهل والمال والولد، قاله ابن عباس.
والثاني: كل واحد على حدة، قاله الحسن.
والثالث: ليس معكم من الدنيا شيء، قاله مقاتل.
والرابع: كل واحد منفرد عن شريكه في الغيّ، وشقيقه، قاله الزجاج.
والخامس: فرادى من المعبودين، قاله ابن كيسان.
قوله تعالى: {كما خلقناكم أول مرة} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: لا مال ولا أهل ولا ولد.
والثاني: حفاةً عراةً غرلًا.
والغرل: القلف.
والثالث: أحياءً.
وخولناكم: بمعنى: ملّكناكم.
{وراء ظهوركم} أي: في الدنيا.
والمعنى: أن ما دأبتم في تحصيله في الدنيا فني، وبقي الندم على سوء الاختيار.
وفي شفعائهم قولان:
أحدهما: أنها الأصنام.
قال ابن عباس: شفعاؤكم: أي: آلهتكم الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم.
و{زعمتم أنهم فيكم} أي: عندكم شركاء.
وقال ابن قتيبة: زعمتم أنهم لي في خلقكم شركاء.
والثاني: أنها الملائكة كانوا يعتقدون شفاعتها، قاله مقاتل. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى}.
هذه حكاية عما يقال لهم بعد قبض أرواحهم، فإما عند خروجها من الأجساد وإما يوم القيامة كل ذلك محتمل، و{فرادى} معناه فردًا فردًا، والألف في آخره ألف تأنيث ومنه قول الشاعر [ابن مقبل]:
ترى النعرات الزرق تحت لبانه ** فرادى ومثنى أصعقتها صواهله

وقرأ أبو حيوة {فرادىً} منونًا على وزن فعال وهي لغة تميم، و{فرادى} قيل هو جمع فرَد بفتح الراء، وقيل جمع فرْد بإسكان الراء والمقصد في الآية توقيف الكفار على انفرادهم وقلة النصير واحتياجهم إلى الله عز وجل بفقد الخول والشفعاء، فيكون قوله: {كما خلقناكم أول مرة} تشبيهًا بالانفراد الأول في وقت الخلقة، ويتوجه معنى آخر وهو أن يتضمن قوله: {كما خلقناكم} زيادة معان على الانفراد كأنه قال ولقد جئتمونا فرادى وبأحوال كذا، والإشارة على هذا بقوله كما هي إلى ما قاله النبي عليه السلام في صفة من يحشر أنهم يحشرون حفاة عراة غرلًا، و{خولناكم} معناه أعطيناكم، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت زهير: [الطويل]:
هنالك إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوا ** وإن يُسْألوا يُعْطُوا وإن يُيْسِرُوا يُغْلُوا

{وراء ظهوركم} إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجودًا.
وقوله تعالى: {وما نرى معكم شفعاءكم} الآية، توقيف على الخطأ في عبادة الأصنام وتعظيمها، قال الطبري: وروي أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه قال سوف تشفع له اللات والعزى.
قال القاضي أبو محمد: ومن كان من العرب يعتقد أنها تشفع وتقرب إلى الله زلفى ويرى شركتها بهذا الوجه فمخاطبته بالآية ممكن وهكذا كان الأكثر، ومن كان منهم لا يقر بإله غيرها فليس هو في هذه الآية. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى} هذه عبارة عن الحشر.
و{فُرَادَى} في موضع نصب على الحال، ولم ينصرف لأن فيه ألفَ تأنيث.
وقرأ أبو حَيْوة {فرادًا} بالتنوين وهي لغة تميم، ولا يقولون في موضع الرفع فُرَادٌ.
وحكى أحمد بن يحيى فُرَادَ بلا تنوين، قال: مثل ثلاث ورباع وفُرادى جمع فُرْدان كسُكارى جمع سكران، وكُسالى جمع كسلان.
وقيل: واحده فَرْد بجزم الراء، وفرِد بكسرها، وفرد بفتحها، وفرِيد.
والمعنى: جئتمونا واحدًا واحدًا، كل واحد منكم منفردًا بلا أهل ولا مال ولا ولد ولا ناصر ممن كان يصاحبكم في الغَيّ، ولم ينفعكم ما عبدتم من دون الله.
وقرأ الأعرج فَرْدَى مثل سكرى وكسلى بغير ألف.
{كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي منفردين كما خُلقتم.
وقيل: عُراة كما خرجتم من بطون أمهاتكم حُفاة غُرْلًا بُهْمًا ليس معهم شيء.
وقال العلماء: يُحشر العبدُ غدًا وله من الأعضاء ما كان له يومَ وُلد؛ فمن قُطع منه عضو يردّ في القيامة عليه.
وهذا معنى قوله: «غُرْلًا» أي غير مختونين، أي يردّ عليهم ما قُطع منه عند الختان.
قوله تعالى: {وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ} أي أعطيناكم وملّكنَاكم.
والخَوَل: ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم.
{وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} أي خلفكم.
{وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ} أي الذين عبدتموهم وجعلتموهم شركاء يريد الأصنام أي شركائي.
وكان المشركون يقولون: الأصنام شركاء الله وشفعاؤنا عنده. اهـ.

.قال الخازن:

قوله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى} يعني وحدانًا لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم وهذا خبر من الله عز وجل عن حال الكافرين يوم القيامة وكيف يحشرون إليه ماذا يقول لهم في ذلك اليوم وفي قوله للكافرين ولقد جئتمونا فرادى تقريع وتوبيخ لهم لأنهم صرفوا هممهم في الدنيا إلى تحصيل المال والولد والجاه وأفنوا أعمارهم في عبادة الأصنام فلم يغن عنهم كل ذلك شيئًا يوم القيامة فبقوا فرادى عن كل ما حصلوه في الدنيا {كما خلقناكم أول مرة} يعني جئتمونها حفاة عراة غرلًا يعني قلفًا كما ولدتهم أمهاتهم في أول مرة في الدنيا لا شيء عليهم ولا معهم.
(ق) عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلًا {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا كنا فاعلين}».
(ق) عن عائشة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تحشر الناس حفاة غراة غرلًا» قالت عائشة: فقلت الرجال والنساء جميعًا ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: «الأمر أشد من أن يهمهم ذلك».
روى الطبري بسنده عن عائشة أنها قرأت قول الله عز وجل: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} فقالت: يا رسول الله واسوأتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل امرئ منهم يومئذ شيء يغنيه لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض» وقوله تعالى: {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} يعني وتركتم الذي أعطيناكم وملكناكم من الأموال والأولاد والخدم والخول وكل ما أعطى الله العبد خوله فيه من المال والعبيد وراء ظهوركم يعني في الدنيا {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} يعني أن المشركين زعموا أنهم إنما عبدوا هذه الأصنام لأنها تشفع لهم عند الله يوم القيامة لأنها شركاء الله تعالى الله عن ذلك فإذا كان يوم القيامة وبخ الله المشركين وقرعهم بهذه الآية. اهـ.

.قال أبو حيان:

{ولقد جئتموننا فرادى كما خلقناكم أول مرة}.
قال عكرمة قال النضر بن الحارث: سوف تشفع في اللات والعزى فنزلت: ولما قال: {اليوم تجزون عذاب الهون} وقفهم على أنهم يقدمون يوم القيامة منفردين لا ناظر لهم محتاجين إليه بعد أن كانوا ذوي خول وشفعاء في الدنيا ويظهر أن هذا الكلام هو من خطاب الملائكة الموكلين بعقابهم، وقيل: هو كلام الله لهم وهذا مبني على أن الله تعالى يكلم الكفار، وهو ظاهر من قوله: {فلنسألن الذين أرسل إليهم} ومن قوله: {لنسألنهم أجمعين} و{جئتمونا} من الماضي الذي أريد به المستقبل، وقيل: هو ماض على حقيقته محكي فيقال لهم: حالة الوقوف بين يدي الله للجزاء والحساب، قال ابن عباس: {فرادى} من الأهل والمال والولد، وقال الحسن: كل واحد على حدته بلا أعوان ولا شفعاء، وقال مقاتل: ليس معكم شيء من الدنيا تفتخرون به، وقال الزّجاج: كل واحد مفرد عن شريكه وشفيعه، وقال ابن كيسان: {فرادى} من المعبود، وقيل: أعدناكم بلا معين ولا ناصر وهذه الأقوال متقاربة لما كانوا في الدنيا جهدوا في تحصيل الجاه والمال والشفعاء جاؤوا في الآخرة منفردين عن كل ما حصلوه في الدنيا، وقرئ فراد غير مصروف، وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة فرادًا بالتنوين وأبو عمرو ونافع في حكاية خارجة عنهما فردى مثل سكرى كقوله: {وترى الناس سكارى} وأنث على معنى الجماعة والكاف في كما في موضع نصب، قيل: بدل من فرادى، وقيل: نعت لمصدر محذوف أي مجيئا {كما خلقناكم} يريد كمجيئكم يوم خلقناكم وهو شبيه بالانفراد الأول وقت الخلقة فهو تقييد لحالة الانفراد تشبيه بحالة الخلق لأن الإنسان يخلق أقشر لا مال له ولا ولد ولا حشم، وقيل: عراة غرلًا ومن قال: على الهيئة التي ولدت عليها في الانفراد يشمل هذين القولين وانتصب أول مرة على الظرف أي أول زمان ولا يتقدر أول خلق الله لأن أول خلق يستدعي خلقًا ثانيًا ولا يخلق ثانيًا إنما ذلك إعادة لا خلق.
{وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} أي ما تفضلنا به عليكم في الدنيا لم ينفعكم ولم تحتملوا منه نقيرًا ولا قدمتموه لأنفسكم وأشار بقوله: {وراء ظهوركم} إلى الدنيا لأنهم يتركون ما خولوه موجودًا.
{وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء} وقفهم على الخطأ في عبادتهم الأصنام وتعظيمها وقال مقاتل: كانوا يعتقدون شفاعة الملائكة ويقولون: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} و{فيكم} متعلق بشركاء والمعنى في استعبادكم لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها فقد جعلوا لله شركاء فيهم وفي استعبادهم، وقيل: جعلوهم شركاء لله باعتبار أنهم يشفعون فيهم عنده فهم شركاء بهذا الاعتبار ويمكن أن يكون المعنى شركاء لله في تخليصكم من العذاب أن عبادتهم تنفعكم كما تنفعكم عبادته، وقيل: {فيكم} بمعنى عندكم، وقال ابن قتيبة إنهم لي في خلقكم شركاء، وقيل: متحملون عنكم نصيبًا من العذاب. اهـ.